يوسف زيدان
16
رسالة الأعضاء
الحديث . . وفي الجملة ، فتنوع معارف ابن النفيس تدل عليها هذه الحكاية التي يوردها العمرى في ( مسالك الأبصار ) على لسان تلميذ ابن النفيس ، السديد الدمياطي ، الذي يقول : اجتمع ابن النفيس في ليلة مع القاضي جمال الدين بن واصل ، وأنا نائم عندهما ، فلما فرغا من صلاة العشاء الآخرة ، شرعا في البحث وانتقلا من علم إلى علم ، والشيخ علاء الدين يبحث برياضة ولا انزعاج ، وأما القاضي جمال الدين ، فإنه ينزعج ويعلو صوته ، وتحمر عيناه ، وتنتفخ عروق رقبته ؛ ولم يزالا كذلك إلى أن أسفر الصبح ، فلما انفصل الحال ، قال القاضي جمال الدين : يا شيخ علاء الدّين ، أمّا نحن فعندنا مسائل ونكت وقواعد ، وأمّا أنت فعندك خزائن علوم . ويبدو أن ابن النفيس ، في النصف الثاني من حياته ، صار واحدا من كبار الشخصيات بالقاهرة . فقد وصف المؤرخون مجلسه اليومي في داره المرخّمة ، وكيف كان المجلس يحتشد بكبار رجال الدولة وكبار العلماء من كل فن . . والراجح أنه ارتبط بصداقات عميقة مع العديد من الشخصيات البارزة آنذاك ، فها هو يهدي ( رسالة الأعضاء ) لأحد أصدقائه من كبار رجال الحكم ، هو : الأمير حسام الدين خليل أمير المؤمنين « 1 » . ولما كان اليوم السادس عشر من ذي القعدة سنة 687 هجرية ، وكان يوم سبت ، أصيب ابن النفيس بمرض شديد ، فلم يقو جسده المنهك بالأعوام الثمانين والجهد العلمي الخارق ومروّعات الزمن . . فلازم الفراش ستة أيام ، ظل فيها الأطباء حوله ينصحونه بتناول شيء من الخمر للتداوي ، وظل يرفض قائلا : لا ألقى الله وفي باطني شيء من الخمر ! فهل كان ابن النفيس قد شعر بأن أجله قد حان ، وأنه لن يعيش حتى السبت المقبل ، وأنه لن يكمل موسوعته الهائلة ( الشامل ) بعد أن بيّض منها ثمانين مجلدا ، وكان يريد أن تصل للثلاثمائة ؟ . . على أية حال ، فإنه عند وفاته ، يوم الجمعة الحادي والعشرين من ذي القعدة ؛ كان يعلم بالقطع أننا سنعود بعد مئات السنين للحديث عنه وعن مؤلفاته ، فقد نقل عنه المؤرخون قوله : لو لم أعلم أن تصانيفي تبقى بعدي عشرة آلاف سنة ، ما وضعتها « 2 » .
--> ( 1 ) انظر مقدمة رسالة الأعضاء ( النص المحقق ) . ( 2 ) مسالك الأبصار ، ورقة 227 .